لغة القالب

التشخيص القرآني لاضطراب الشخصية النرجسية

 

التشخيص القرآني

 لاضطراب الشخصية النرجسية

Narcissistic personality disorder

( دراسة قرآنية تحليلية )

                                  

اضطراب الشخصية النرجسية  Narcissistic personality disorderهو اضطراب نفسي مزمن شامل في الشخصية ، ويمثل هذا الاضطراب نمط معقد من السلوك يتميز بالغرور والتكبر والاحتياج المفرط للإعجاب ، ويؤثر بشكل سلبي على علاقات الشخص مع الآخرين ، ويتصف الشخص النرجسي بعدة صفات متجذرة في شخصيته تجعله غير قادر على بناء علاقات اجتماعية صحية حيث يخوض حياة الآخرين بأساليب خبيثة ومضللة[1] ، ووفقا للقرآن الكريم  يعد الشخص النرجسي شيطاناً من شياطين الإنس يسعى في الشر وبالشر دائما ، وقد قال تعالى عن شياطين الإنس :


 ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) [ سورة الأنعام : الآية رقم 112 ]


ومن أهم ما يميز الشخصية النرجسية : [2]


1- الغرور والتكبر والتعالي على البشر .

2- التسلل إلى حياة الشخص على مراحل .

3- كراهية الخير للناس ، ومعاداته لهم بدون سبب .

4- دفع الناس للعداوة والبغضاء من خلال إثارة الفتن والدسائس .

5- إفقار ضحاياه وسلبهم ماليًا .

6- تخويف وابتزاز وتهديد ضحاياه .

7- تضليل الناس عن الحق ، واختلاق قصص تضعف ثقة الضحية في عقلها .

8- إغراق الناس بالأماني والوعود الكاذبة .

9- التجسس على الناس ، ومراقبتهم ، وانتهاك خصوصياتهم .

10- أمر الناس بالفحشاء والمنكر وتبرير المعاصي .

11- صد الناس عن ذكر الله .


وفيما يلي شرح وجيز لكل صفة ، مع تأصيل كل صفة من آيات القرآن الكريم

 

1- الغرور والتكبر والتعالي على البشر


   يشعر الشخص النرجسي دائما بعظمة مبالغ فيها تجاه نفسه حيث يرى نفسه أفضل من الجميع ، فيشكر نفسه كثيرًا ، متعاليًا على الآخرين ، ويستهين بمشاعرهم وقدراتهم بالشكل الذي يجعله يفرض سيطرته ، ويقلل من قيمة من حوله من الأشخاص ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن إبليس في قوله تعالى :


 ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ) [ سورة البقرة : الآية رقم 34]


( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) [ سورة الإسراء : الآية رقم 61 ]


 وقد اختار إبليس الهلاك والخلود في النار وأصر على رفضه السجود لآدم تفاخرا واستكبارا ، لذلك يكره الله الشخص النرجسي الفخور بنفسه والمستعلي على البشر كما جاء في قوله تعالى :


( إنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ) [ سورة النساء : الآية رقم  36]


( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [ سورة لقمان : الآية رقم 18]


(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [ سورة الحديد : الآية رقم 23]


أيضا يشكر الشخص النرجسي في نفسه كثيرا شأنه شأن إبليس ، لذلك يقال في المثل الشعبي المصري :


ما يُشكر في نفسه إلا إبليس "


ومن المعلوم أن التكبر صفة ذميمة جدا ، تهوي بصاحبها إلى القاع دنيا وآخرة ، لذلك يُقال في المثل العربي :


 " ما طار طير وارتفع ، إلا كما طار وقع " .


وعن التواضع ونبذ التكبر يقول صلى الله عليه وسلم : 


" وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ.

( الراويأبو هريرة - المحدثمسلم - المصدر    صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم 2588- خلاصة حكم المحدث صحيح )


" تواضَعوا حتى لا يبغيَ أحدٌ على أحدٍ ، ولا يفخرَ أحدٌ على أحدٍ " 

( الراويعياض بن حمار - المحدثالألباني - المصدرصحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم 4895 - التخريجأخرجه أبو داود (4895) ، والبخاري في ( الأدب المفرد ) (428) ، واللفظ لهما ، ومسلم (2865) ، وأبو بكر الإسماعيلي في ( معجم أسامي شيوخ أبي بكر ) (186) ، باختلاف يسير. )


" لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ

( الراويعبد الله بن مسعود - المحدثمسلم - المصدرصحيح مسلم - الصفحة أو الرقم 91 - خلاصة حكم المحدث صحيح )

 

2- التسلل إلى حياة الشخص على مراحل

   لا يدخل الشخص النرجسي حياة ضحيته فجأة ، بل يتسلل بحذر وبخطوات مخططة بعناية ، محاولًا كسب ثقة الشخص الضحية تدريجيًا ، ثم فرض سيطرته تدريجيًا بطرق خبيثة تستنزف الضحية نفسيًا وعاطفيًا ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى :


 ( ولاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) [ سورة البقرة : الآية رقم 168]...[ سورة البقرة : الآية رقم 208 ]..[ سورة الأنعام : الآية رقم 142]


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) [ سورة النور : الآية رقم 21]

 

3- كراهية الخير للناس ومعاداته لهم بدون سبب


    لا يرحب الشخص النرجسي بنجاح أو سعادة الآخرين ، بل يعادي الخير لهم ، ويشعر بحقد مستمر دون مبرر منطقي ، مما يدفعه لمحاربة من حوله نفسيًا ومجتمعيًا , وقد أشار القرآن الكريم إلى كراهية الشيطان الخير للناس ، ومعاداته لهم دائما وبدون سبب في قوله تعالى :


 ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) [ سورة البقرة : الآية رقم 168]...[ سورة البقرة : الآية رقم 208 ]...[ سورة الأنعام : الآية رقم 142]...[ سورة يس : الآية رقم 60]...[ سورة الزخرف : الآية رقم 62]


( إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) [ سورة القصص : الآية رقم 15 ]


( إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) [ سورة يوسف : الآية رقم 5]


( إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً ) [ سورة الإسراء : الآية رقم 53 ]


( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) [ سورة فاطر : الآية رقم 6 ]

 

4- دفع الناس للعداوة والبغضاء من خلال إثارة الفتن والدسائس

   يثير الشخص النرجسي الفتن والمكائد بين الناس عمداً لزرع العداوة والبغضاء بينهم ، فهو لا يصلح أن يكون صديقًا أو مرجعية ، بل ينفث سمومه بما يقوّض العلاقات الاجتماعية , وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى :


( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءْ ) [ سورة المائدة : الآية رقم 91]


 إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ) [ سورة الإسراء : الآية رقم 53 ] 


 لذلك لا يصلح الشخص النرجسي الشيطاني أن يكون صديق أو رفيق أو مرجعية لأحد وفي ذلك يقول تعالى :


وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً ) [ سورة النساء : الآية رقم 38]


وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ) [ سورة النساء : الآية رقم 119]

 

5- إفقار ضحاياه وسلبهم ماليًا


   من أخطر أساليب الشخص النرجسي استنزاف موارد ضحاياه المالية عبر الاحتيال أو التلاعب أو الضغط ، حتى يصبح الشخص النرجسي فريسة مستمرة لاستغلاله ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان :


الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ) [ سورة البقرة : الآية رقم 268]

 

6- تخويف وابتزاز وتهديد ضحاياه


   يستخدم الشخص النرجسي أساليب التخويف والابتزاز والتهديد لضبط سلوكيات ضحاياه وفق هواه ،  والسيطرة عليهم ، مما يخلق حالة مستمرة من الرعب وعدم الأمان ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان :


 ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ ) [ سورة آل عمران : الآية 175]

 

7- تضليل الناس عن الحق ، واختلاق قصص تضعف ثقة الضحية في عقلها


   يخدع الشخص النرجسي ضحاياه بتزييف الحقائق ، واختلاق قصص تكسر ثقة الشخص الضحية بنفسه وبذاكرته ، مما يجعل الشخص الضحية يشك في ذاكرته و إدراكه ، ويضيع بين الحقيقة والوهم  ، ومن ثم ينسى ما في عقله من معلومات مع الوقت ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن إبليس في قوله تعالى :


 فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ) [ سورة يوسف : الآية رقم 42]


( وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ ) [ سورة الكهف : الآية رقم 63]


( وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) [ سورة النساء : الآية رقم 60]


( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ سورة المجادلة : الآية رقم 19 ]

 

8- إغراق الناس بالأماني والوعود الكاذبة


   يقدم الشخص النرجسي وعودًا زائفة وأماني كاذبة لجذب الناس وإدخالهم في دوامات من المشاكل ، ثم يخلف وعوده ، ويحمّل ضحاياه مسئولية تصديق هذه الأكاذيب  , وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى :


 يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ) [ سورة النساء : الآية رقم 120 ]


مَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ) [ سورة الإسراء : الآية رقم 64]



( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ ) [ سورة الأعراف : الآية رقم 27]


 وبعد أن يمني الناس بالوعود والأماني الكاذبة ويهلكهم يخلف وعوده ويُحمل الناس مسئولية تصديقه ، وهذا ما وصفته الآية القرآنية القائلة :


( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ) [ سورة إبراهيم : الآية رقم 22 ]


( وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً ) [ سورة الفرقان : الآية رقم 29]


( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) [ سورة الحشر : الآية رقم 16]

 

9- التجسس على الناس، ومراقبتهم , وانتهاك خصوصياتهم


    يمارس الشخص النرجسي التجسس على ضحاياه ، ويتعقب تحركاتهم متعديًا على حرياتهم و خصوصياتهم بشكل دائم ، ما يزيد من إحساسهم بالحصار والتضييق والتقييد ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان : 


( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) [ سورة الأعراف : الآية رقم 27]

 

10- أمر الناس بالفحشاء والمنكر ، وتبرير المعاصي

  يحث الشخص النرجسي من حوله على ارتكاب المعاصي والخطايا والفواحش ، ويبرر هذه الأفعال ويزينها لهم ، محاولًا إسقاط القيم الأخلاقية وإفساد النفوس ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى :


 وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء ) [ سورة البقرة : الآية رقم 268 ]


(  وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ  ) [ سورة النور : الآية رقم 21] 


وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) [ سورة الأنعام : الآية رقم 43 ]


فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) [ سورة النحل : الآية رقم 63 ]َ


( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) [ سورة النمل : الآية رقم 24 ]...[ سورة العنكبوت : الآية رقم 38]

 

11- صد الناس عن ذكر الله

   يسعى الشخص النرجسي لإبعاد الآخرين عن العبادات والروحانيات ، ويصدهم عن ذكر الله ، ويستهزئ بأشخاص وأفعال المؤمنين ، مما يعمّق حالة الضياع والضعف النفسي لدى ضحاياه  ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان  :


وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ ) [ سورة المائدة : الآية رقم 91]

 

قائمة المصادر والمراجع

* القرآن الكريم


* محمود عواد – معجم الطب النفسي و العقلي : أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي و العقلي المتداولة في العالم و تعريفاتها – دار أسامة للنشر والتوزيع - الأردن - 2011 م


* موقع الدرر السنية

www.dorar.net

 



المصدر




 





[1] محمود عواد – معجم الطب النفسي و العقلي : أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي و العقلي المتداولة في العالم و تعريفاتها – دار أسامة للنشر والتوزيع - الأردن - 2011 م - ص 103 وما بعدها

[2] محمود عواد – معجم الطب النفسي و العقلي : أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي و العقلي المتداولة في العالم و تعريفاتهاص 103 وما بعدها

مارس 17, 2026
عدد المواضيع